السيد كمال الحيدري

29

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

وبيان ذلك : إنّ مشكلة الدور - وهي فيما لو أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم نفسه - لا مورد لها في المقام ، وذلك لأنّ العلم بالجعل الأوّل أخذ قيداً في الحكم الثاني ، فثبوت الحكم الثاني متوقّف على ثبوت الحكم الأوّل ، وأمّا الحكم الأوّل فليس متوقّفاً على العلم بالحكم الثاني ، وعليه فلا يلزم توقّف الشيء على نفسه ، فلا دور « 1 » .

--> ( 1 ) إن قيل : ما الفرق بين المقام وبين سائر المقامات الأخرى التي يمكن استكشاف الإطلاق فيها لمجرّد عدم ذكر القيد على أساس مقدّمات الحكمة ، كما إذا قيل : ( اعتق رقبة ) أو ( أكرم العالم ) ، حيث يمكن إثبات الإطلاق على أساس مقدّمات الحكمة ؛ لأنّه لو كان يريد التقييد لذكر ما يدلّ عليه مع كونه في مقام البيان والتفهيم ، فعدم ذكره للقيد دليل على إرادة الإطلاق ، إلّا أنّ مقدّمات الحكمة هذه لا تجري في مقامنا وما شابهه كأخذ امتثال الأمر مثلًا . الجواب : إنّ الفرق بين المقامين هو : أنّ الحكم في تلك الموارد انصبّ على المقسم ؛ لأنّ الرقبة تنقسم إلى المؤمنة وغيرها وهكذا العالم ، فلمّا انصبّ على المقسم ولم يرد ما يدلّ على شيء آخر زائداً عليه ، استكشف أنّ مراده المقسم فقط الشامل لكلا القسمين ، فيكون مطلقاً . وأمّا في المقام ، فإنّ الحكم لا ينصبّ على المقسم ؛ لأنّ التقسيم إنّما يحصل بعد الحكم والأمر ، فمثلًا : العلم والجهل إنّما هما وصفان للحكم ، فالمكلّف إمّا أن يعلم بالحكم وإمّا أن يجهله ولكنّ علمه أو جهله بعد فرض ثبوت الحكم . ومن الواضح أنّه حينما ثبت الحكم كان منصبّاً على الطبيعة والماهيّة لا على شيء آخر ، ومن الواضح أنّ الطبيعة والماهيّة ليست مقسماً للعلم والجهل ، ولذلك لا يمكن إثبات الإطلاق للعالم والجاهل كما لا يمكن إثبات التقييد بخصوص العالم . وهذا ما ذكره المحقّق النائيني بقوله : « أمّا طريق استكشاف نتيجة الإطلاق فليس هو على حذو طريق استكشاف الإطلاق في سائر المقامات بالنسبة إلى الانقسامات السابقة على الحكم ، فإنّ استكشاف الإطلاق في تلك المقامات إنّما هو لمكان السكوت في مقام البيان بعد ورود الحكم على المقسم ، كقوله : أعتق رقبة ، التي تكون مقسماً للإيمان وغيره ، فحيث ورد الحكم على نفس المقسم وسكت عن بيان خصوص أحد القسمين مع أنّه كان في مقام البيان ، فلابدّ أن يكون مراده نفس المقسم ، من دون اعتبار خصوص أحد القسمين ، وهو معنى الإطلاق . ولكنّ هذا البيان في المقام لا يجرى ؛ إذ الحكم لم يرد على المقسم ؛ لأنّ انقسام الصلاة إلى ما يقصد بها امتثال الأمر وما لا يقصد بها ذلك إنّما يكون بعد الأمر بها ، فليست الصلاة مع قطع النظر عن الأمر مقسماً لهذين القسمين فيكون السكوت وعدم التعرّض لأحد القسمين دليلًا على الإطلاق . نعم ، سكوته عن اعتبار قصد الامتثال في مرتبة تحقّق الانقسام يستكشف منه نتيجة الإطلاق . بعبارة أخرى : عدم ذكر متمّم الجعل - على ما سيأتي بيانه - في المرتبة القابلة لجعل المتمّم يكون دليلًا على نتيجة الإطلاق . والفرق بين استكشاف نتيجة الإطلاق في المقام ، واستكشاف الإطلاق في سائر المقامات : هو أنّ من عدم ذكر القيد في سائر المقامات يستكشف أنّ مراده من الأمر هو الإطلاق ، وهذا بخلاف المقام ، فإنّه من عدم ذكر متمّم الجعل لا يستكشف أنّ مراده من الأمر هو الإطلاق ، لما عرفت : من أنّه لا يمكن أن يكون مراده من الأمر هو الإطلاق ، بل من عدم ذكر متمّم الجعل يستكشف أنّه ليس له مراد آخر سوى ما تعلّق به الأمر . وبعبارة ثالثة : من عدم ذكر متمّم الجعل في مرتبة وصول النوبة إليه يستكشف أنّ الملاك لا يختصّ بصورة قصد الامتثال ، بل يعمّ الحالين فيحصل نتيجة الإطلاق » فوائد الأصول : ج 1 ص 160 .